المدونة
أخر الأخبار

شعور  قيد التحقيق، نص فلسفي تحليل لتجربة سيغموند فرويد، للأستاذان السوريان أحمد الدالي وعبد الحميد محمد

شعور  قيد التحقيق

الغرفة

لماذا انتابني هذا الشعور رغم وعيي التام بعدم وجود سبب له؟

أولًا: فهم الأشياء بعدم فهمها أو عدم فهم جزء منها

هذه تجربة افتراضية تَشرح كيف أن فهم الشيء بشكل كامل يتطلب أحيانًا عدم فهم جزء منه. ومتى ما فهمت أو وعيت أو أدركت هذا الجزء، فهذا يُعتبر أن هناك ثغرة، وأن الفكرة وصلتك مشوهة. ليس انتقاصًا من درجة ذكاء أحد، بل تقديمًا للفكرة كاملة.

دعنا نغوص في غياهب التفاصيل:

غرفتان تحتوي كل منهما على سبورة كُتب عليها سؤالان.

السؤال الأول: واحد زائد واحد كم يساوي

السؤال الثاني: هو معادلة رياضيات من مستوى أكاديمي عالٍ.

طلبنا من طفلين عمرهما سبع سنوات، متقاربان من حيث البيئة والظروف ودرجة الذكاء الطبيعية (لا يوجد شيء خارج عن المألوف)، وأخبرناهما أننا لن نطّلع على الحل بعد أن طلبنا منهما حل السؤالين بعد فهمهما لها. بعد دقائق خرجا:

(يزن) قال: فهمت السؤالين وقمت بحلّهما.

(سامر) قال: فهمت سؤال الجمع وقمت بحلّه، لكن السؤال الثاني لم أفهمه. على ما يبدو، أنه سؤال من مستوى أعلى بكثير منا.

من هو برأيكم الذي فهم الموقف بشكل كامل؟ خَمِّن يا صديقي.

طبعًا سامر؛ لأنه فهم أنه لم يفهم المعادلة، وأنها ليست من مستواه، وهذا طبيعي، وذلك لأنه لم يَفهمها. أما يزن فقد فهمها، وهنا تَشَوَّهَ فهمه للموقف. إنها أعلى من مستواه، بل كتب ما يعتقد أنه حلٌّ لها. فهنا يكون فهم الشيء بشكل تام من خلال عدم فهمه، أو فهم جزء وعدم فهم جزء آخر.

هل تُحَدِّث نفسك الآن بأنك أهدرت وقتك في متابعة تجربة؟ أعطني فرصة قبل أن تَحكُم علي، لأخبرك ما الغرض من التجربة.

ثالثًا: الشرح المشوَّه لنظرية الشخصية وأقسامها الثلاثة

قدَّم لنا سيغموند فرويد نظرية الشخصية البشرية التي قسَّمها إلى:

منطقة اللاوعي.

منطقة الوعي.

منطقة الأنا الأعلى.

وشرح أمثلة لديناميكية كل من الوعي والأنا الأعلى مع أمثلة ومواقف. لكن حين أُخبِرك بالفعل الذي أنت جعلته قابعًا في اللاوعي، هنا أنت وعيت وأدركت اللاوعي. وبما أنك وعيت اللاوعي، فهنا أنت لم تَعِ اللاوعي، بل إنك في منطقة الوعي. لأن فهم وإدراك منطقة اللاوعي هو عدم وعيك بها، لكنه جعلك تعيها، واسمها يَشرح منطقة اللاوعي (اللا إدراك).

إذًا، فهم النظرية هنا بشكل تام يعتمد على فهم جزأين منها وعدم فهم جزء منه. ومتى ما جعلك تفهم وتعي منطقة اللاوعي، أصبحت هذه المنطقة وعيًا؛ فلذلك فهمك لها هو فهم غير مكتمل.

دعني أخبرك أننا في هذه النظرية جعلناك تُدرك وتفهم وتعي منطقة اللاوعي، وهذا جعلك تفهمها بطريقة غير كاملة. ابقَ معي لنقدم لك الشرح والفهم التام لهذه النظرية من خلال فهمك ووعيك لجزأين، وعدم وعيك وعدم إدراكك لجزء اللاوعي (اللا فهم، اللا إدراك).

رابعًا: الغرفة المرعبة

غرفة أعرفها مضاءة. أنا خارج الغرفة أرى المدخل إليها، لا شيء مريب للان. إلى أن دخل شخص الغرفة، وأنا أنظر إليه. وفجأة، حين شاهد هذا الشخص ما يوجد داخل الغرفة، صرخ بصوت مرعب إلى حد الجنون، ملامح الرعب تبدو عليه، وهو يصرخ بنوبة صراخ هيستيرية كادت أن تَتَفجَّر حنجرته من شدة الصراخ. وعيناه جاحظتان من الرعب، وكأنه صوت خُوار ألف ثور، مع صوت انفجار ألف بركان. لدرجة أنه صوت يكاد لا يُشبه صوت بشر، ويضع يديه على أذنيه، وهرع فارًّا.

تكرر الموقف مع عدة أشخاص دخلوا، وحدقوا إلى نفس الزاوية، وأنا أراقب. انتابني فضول شديد: ماذا يوجد داخل الغرفة؟ ثم مع التكرار ازداد الفضول، نفس الدرجة من الصراخ بعد مشاهدة ما هو متواجد في الغرفة، شخص آخر وشخص آخر. جميعهم كانت ردة فعلهم فظيعة، إلى أن استسلمت لفضولي لأرى ما قد رأوه.

حين تقدمت لأدخل الغرفة، فحدث شيء ليس غريبًا حصوله في الأحلام. نعم، هو حلم، ومن النوع الذي تعلم به أنك داخل الحلم، حيث انفصلت عن نفسي وشاهدت نفسي وأنا أسير نحو الباب، لكني ما زلت أنظر من مكاني إلى نفسي، وكأنني أشاهد شريط فيديو لي.

فأنا الذي سرت نحو الباب لأدخل (منظور الشخص الأول)، وأنا الشخص الذي يراقب (منظور الشخص الثاني).

أراقب نسختي، فإذا بي أشعر بمشاعر رعب وخوف، ثم صرخت من شدة الرعب من مكاني (الشخص الثاني المراقب) بعد أن وصلت نسختي وشاهدت ما شاهده الكل. الشعور بالخوف والرعب وصراخ كصوت مليار فيل، وقلبي يكاد ينفجر مع كل نبضة، رغم أنني لم أشاهد ما شاهدته شخصيتي من منظور الشخص الأول، لكنني شعرت بالرعب من مكان مراقبتي (منظور الشخص الثاني)، بسبب ما شاهدته أنا ذاتي (منظور الشخص الأول)، إلى أن استيقظت من النوم.

هنا، أنا لم أَعِ ولم أُدرك ماذا يوجد بالغرفة، لكن وصلني فقط الشعور المرافق لإدراك ما هو مرعب ومخيف. إذًا، هنا لكل موقف إدراك وشعور يرافقه. في هذه العملية تم انسلاخ الشعور عن الإدراك؛ وصلني الشعور، ولم يصلني إدراك منظور الشخص الأول.

منظور الشخص الأول: هو أنا حين شاهدت ما يوجد داخل الغرفة في الحلم.

منظور الشخص الثاني: هو أنا الذي كنت أراقب في الحلم وتسرَّب إليَّ الشعور بالرعب، وشعرت بالرعب دون أن أَعِي ما شاهدته.

هذا المثال يفسر شعورك بالقلق أو عدم الراحة أو السعادة، لكنك تُدرك تمامًا بأنه لا يوجد في الواقع ما يدفعك لهذا الشعور، ولا تَعِي السبب الحقيقي. إن شعورك له سبب، لكنك عشت الشعور المرافق للموقف، أي وصلك الشعور المرافق لإدراك هذا الموقف دون أن تَعِي الموقف، دون أن تُدرك الموقف أو تتذكره؛ لأنه قابع في منطقة (اللاوعي). هنا وصلت الفكرة من خلال عدم إدراكك لما يوجد بالغرفة.

الغرفة: هي منطقة اللاوعي.

الشيء الموجود في الغرفة: هو الموقف الذي يتم سَجنُه في منطقة اللاوعي.

لذلك، أنت لم تُدرِك ما يوجد، ولم تشاهد ما يوجد داخل الغرفة، لكن تسرَّب من السجن شعور الرعب المرافق للإدراك دون وعيك دون إدراكك.

لقد تخيلت نفسك تعيش الحلم، أليس كذلك؟ هل أصبح لديك فكرة أو انطباع عن شعور الرعب الرهيب؟ هل وعيت وأدركت الشيء المُفزِع داخل اللاوعي (الغرفة)؟ طبعًا لا، مثلك مثلي، لم أَعِ ما سبب الرعب.

هذا ما يثير استغرابك، بسبب عدم وعيك باللاوعي، إلى أن تحقق شرط فهم الفكرة دون التعدي على حدود العبارات، دون فضح اللاوعي، وهو أساسًا لا يجب أن تعيه.

خامسًا: شعور قيد التحقيق؟(لماذا انتابني هذا الشعور الغريب فجأة دون سبب)

تحت المجهر

لطالما سألت نفسك هذا السؤال. لنقل حين كنت في التاسعة من عمرك، توفي أحد أقاربك، وحين دخلت إلى الغرفة لتودع الجثة، شاهدت ملامح قريبك مرعبة. في نفس اللحظة وأنت تعيش الرعب، استنشقت العطر الذي رشُّوه على الفقيد. شعور مؤلم يرافق إدراكك ووعيك بموقف الفقدان.

هنا ومع الأيام، تَتَفَعَّل وسيلة الدفاع النفسية التي تحميك من الخوف من الأمر الذي قد مرَّت عليه عشرات السنوات ونسيته؛ لأنه تم نقل الموقف إلى منطقة اللاوعي، ويتم نقل الشعور المرافق له إلى اللاوعي. فأنت لا تَعِي الشعور، ولا تَعِي الموقف الذي عشته بطفولتك.

لكن بعد عشرات السنين، شعرت بالقلق والخوف، لكنك تقول: “لماذا؟ ما هذا الشعور السيئ؟” تستغرب، لا يوجد ما يدفعك لهذا الشعور. لكنك استنشقت نفس العطر، وهذا العطر فتح ثغرة في سجن اللاوعي، فتسرَّب الشعور من اللاوعي إلى الوعي. وبما أنها عملية تحميك من الألم، فلم تَسمح بتسريب ذكريات الموقف إلى الوعي لكي لا تتذكر ما يؤلمك، لكنها فشلت في إمساك الشعور الذي استثاره العطر المرافق لذلك الموقف المنفي في منطقة اللاوعي، فانتقل شعور عدم الراحة، لكن بقي الموقف والسبب في اللاوعي.

لذلك، أنت لم تَعِي الموقف، لكن شعرت بغلافه النفسي الذي أفلت بسبب مفتاح العطر.

الغرفة: هي مساحة النفي حيث يُسجَن كل موقف.

الشيء الموجود في الغرفة: هو الموقف.

منظور الشخص الأول: وهو نسختك التي دخلت وشاهدت وأدركت ما يوجد بالغرفة، وهو يُمثِّلُك حين عشت موقف الفقدان المؤلم.

منظور الشخص الثاني: هو ذاتك التي تُراقب المشهد وشعرت بالرعب المرافق للإدراك الذي حصل، لكنك لم تَعِ فِعل الإدراك. ولم يسمح منفى اللاوعي بتسرب ذكريات الفقد إلى الوعي.

هنا قدمنا النظرية مستوفية لشروط الفهم التام. فأنت الآن لم تَعِ منطقة اللاوعي وما يوجد بداخلها من موقف، لكنك تخيلت الموقف وتخيلت أو شعرت بالشعور المرافق للإدراك وللوعي دون أن تَعِي ما يوجد في الغرفة مثلي. فهنا تحقق فهم تام للنظرية من خلال فهم جزأين منها وعدم فهم جزء منها، رغم تقديمه لك من خلال مثال يطرح فكرة اللاوعي على حالها، حيث أنك لا تعيها. لأنك متى ما وعيت ومتى ما أخبرتك أن هناك شيئًا محددًا رأيته في الغرفة، هنا نكون في الحقيقة نتحدث عن الوعي وليس عن منطقة اللاوعي. لذلك، نحن هنا نفهم منطقة اللاوعي بعدم الوعي بها، ومن اسمها “اللاوعي” أي أنك لا تعي، وهذا الشرط تحقق.

لذلك، أحيانًا قد تشعر بمشاعر قلق أو فرح أو حزن، لكن لا يوجد سبب لهذا الشعور في الواقع. في الحقيقة، لا يوجد سبب، وهذا يعود إلى أن الموقف موجود في سجن اللاوعي الذي جعلك لا تعي، ومن الطبيعي أن نَستَغرِب شعورًا ما دون سبب.

المؤلفان السوريان:

ذ. أحمد الدالي

ذ. عبد الحميد محمد

دققه ونشره:

سعيد الجمالي

سعيد الجمالي

داعم تربوي مغربي، وصانع للمحتوى السمعي البصري والمكتوب، متخصص بالتسويق الرقمي عبر محركات البحث / مواقع التواصل / الإعلانات الممولة، ديزاينر وفيديو إديتور، خريج ليسانس جامعة الحسن الثاني، وشهادات من ISLI و Youtube و Edraak، مؤثر بأزيد من 4 قنوات يوتيوب وصفحات لأكثر من 118k Followers+ مؤسس SaidMedia.Pro و Biochra.com منغمس في التكنولوجيا منذ سنة 2013، خدمت أونلاين أزيد من 150 عميل، للأعمال contact@saidmedia.pro

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى